لماذا هذا الكتاب؟
يأتي الكتاب بجزئيه كدليل عملي تفاعلي موجه للأطفال واليافعين، يهدف إلى غرس قيم الثقة بالنفس، والطموح، والقيادة، وتطوير الذات. لا يعتمد الكتاب على التلقين المباشر، بل يتبنى منهجية الاستكشاف الذاتي من خلال الأنشطة، والمقاييس النفسية المبسطة، والقصص الملهمة، مما يجعله رحلة ممتعة يخوضها الطفل لاكتشاف قدراته الكامنة.
حس الكاتبة كمربية:
بحسها التربوي وخبرتها في تعليم الأطفال والناشئة صاغت الأستاذة مايدة البلوشية كتابها "أنا واثق أنا طموح" بجزئيه، ليكون أكثر من مجرد كتاب يُقرأ؛ إنه مساحة حية يتنفس فيها الطفل ذاته، ويكتشف — بأصابعه وبقلمه وبخياله — أنّ بداخله كنوزاً تستحق أن تُرى.
رحلة داخل الكتاب:
يتكون الكتاب من جزئين ويشتمل الجزء الأول على حوالي 48 صفحة واما الجزء الثاني فيتكون من 44 صفحة، وهو من إصدار مؤسسة غراس لعام 2026م، ويؤسس الجزء الأول أساساً نفسياً متيناً من خلال أربع محطات مصمّمة بعناية تدريجية:
🔹 محطة من أنا؟ يفتتح الكتاب رحلته بما يبدو بسيطاً لكنه في الحقيقة عميق الأثر: أن يكتب الطفل اسمه، عمره، هواياته، صفاته، وطموحه. هذه الخطوة — التي قد يستهين بها الكبار — هي في علم النفس التربوي لبنة الوعي بالهوية، حيث يبدأ الطفل في التعامل مع ذاته ككيان مستقل له ملامحه الخاصة.
🔹 محطة أنا مميّز : ينتقل الكتاب بلطف إلى مساعدة الطفل على رؤية تميّزه، لا بمقارنة نفسه بالآخرين، بل من خلال ربط كلمات إيجابية بشخصيته (شجاع، نشيط، رائع)، وممارسة أنشطة ذهنية محفّزة كألغاز عواصم الخليج. الرسالة هنا دقيقة: التميّز ليس قالباً واحداً، فقد يكون في الرياضة أو القراءة أو الإلقاء أو حتى في طريقة التفكير.
🔹 محطة أنا قادر : هنا يتحوّل الإيمان بالذات من فكرة مجرّدة إلى ممارسة ملموسة: أنشطة الرسم، واكتشاف الاختلافات، بل وحتى كتابة "شهادات تقدير" للأصدقاء — وهي لمسة تربوية بالغة الذكاء تعلّم الطفل أنّ الإنسان الواثق من نفسه حقاً هو من يملك القدرة على رؤية نجاحات الآخرين والاحتفاء بها دون أن يشعر بالتهديد.
🔹 محطة أنا فخور بنفسي: يُختتم هذا الجزء بأداة نفسية ممتازة: "جدول الإنجاز الأسبوعي"، حيث يُدوّن الطفل ما أنجزه مع والديه، أصدقائه، ومعلميه. هذا التمرين يُفعّل ما يسميه علماء النفس "الذاكرة الإيجابية الانتقائية"، أي أن يتعلّم الطفل النظر إلى مسيرته فيرى الخطوات التي خطاها لا العثرات التي وقع فيها.
وفي الجزء الثاني من الكتاب تبدع الكاتبة بقلمها السيال في اختيار الأنشطة الابداعية للمستوى الثاني، وكل نشاط يعتبر مهارة تربوية يكتسبها الناشئة.
🔹مقياس التقييم الذاتي : يفتتح هذا الجزء بمقياس نفسي مبسّط من 20 عبارة، وهذا المقياس ليس اختباراً بالمعنى الأكاديمي، لكنه مرآة ذكية تساعد الطفل على تحديد موقعه الحقيقي على سلّم الثقة، ومعرفة الجوانب التي تحتاج إلى تعزيز.
🔹 قصة مشاري : من أجمل ما في هذا الجزء قصة الطفل "مشاري" القصير القامة الذي فاز بسباق الجري رغم سخرية أقرانه. القصة لا تُلقي دروساً مباشرة، بل تترك الطفل يستنتج بنفسه أنّ النجاح لا يُقاس بالمظاهر ولا بالإمكانيات الجسدية، بل بما يحمله القلب من إرادة والعقل من إصرار. وهذا أسلوب سردي تربوي ناضج يحترم ذكاء الطفل.
🔹 التدريب على القيادة : يطرح الكتاب تمارين عملية مبتكرة تنقل الطفل من المتلقي إلى الفاعل مثل: (أنا مذيع تلفزيوني) (ورحلة التحدي(.
🔹 محاربة العبارات السامّة : من أكثر الأقسام نضجاً في الكتاب ذلك التدريب الذي يُطلب فيه من الطفل استبدال العبارات السلبية التي قد يسمعها — مثل "أنت غبي" أو "فشلك متكرر" — بعبارات إيجابية حازمة مثل "أنا ذكي ومميز" و*"أنا ناجح دائماً"*. وهذا التمرين، المستلهم من تقنيات العلاج المعرفي السلوكي، لا يبني فقط ثقة الطفل، بل يمنحه سلاحاً داخلياً في مواجهة التنمّر اللفظي والضغوط الاجتماعية.
🔹 الإلهام من السيرة النبوية: يُختتم الكتاب بلمسة إيمانية عميقة ومؤثّرة، حيث تستحضر الكاتبة نماذج من السيرة النبوية بوصفها أعظم مدرسة عملية في الثقة والشجاعة:
- ثقة النبي ﷺ وهو يقف وحيداً على جبل الصفا يدعو قومه.
- شجاعته ﷺ في ظلمة غار حراء حين نزل عليه الوحي.
- يقينه الراسخ في غار ثور حين قال لصاحبه: "لا تحزن إنّ الله معنا".
- ثقة أسامة بن زيد الشاب ذي الثمانية عشر ربيعاً وهو يقود جيشاً يضمّ كبار الصحابة.
- شجاعة علي بن أبي طالب حين نام في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة.
هذا الربط بين التنمية الذاتية والسيرة النبوية يمنح الكتاب بُعداً دينيا وقيمياً يجعل الثقة بالنفس ليست مجرد مهارة نفسية، بل جزءاً من منظومة إيمانية متكاملة.
ماذا فعلت الكاتبة بشكل مختلف؟
ما يميّز هذا الكتاب عن كثير من الإصدارات المشابهة ثلاثة أبعاد جوهرية تستحق التأمل:
· التفاعلية مع الأنشطة: إذ لم تكتب الأستاذة مايدة نصاً ليُقرأ فحسب، بل صمّمت "مساحة عمل حيّة" يكتب فيها الطفل ويرسم ويلصق ويعبّر عن مشاعره وأفكاره بحرية، فيتحوّل من قارئ سلبي إلى صانع محتوى عن ذاته، وهذا التحوّل وحده كفيل بأن يُشعره بأنه محور التجربة لا هامشها.
· التدرّج النفسي المدروس: فقد انتقلت الكاتبة بحرفية واضحة من الداخل إلى الخارج، من الأسئلة الهادئة — "من أنا؟ ما صفاتي؟ بمَ أتميّز؟ — إلى التحديات الحقيقية — "كيف أواجه من يسخر مني؟ كيف أقف أمام الجمهور؟ كيف أقود؟ — وهو مسار يحترم النمو النفسي الطبيعي للطفل ولا يستعجل نضجه ولا يفرض عليه ما لم يستعدّ له بعد.
· المزج الرشيق بين الحداثة والأصالة: حيث ربطت الكاتبة ببراعة بين أدوات التنمية البشرية الحديثة كالتوكيدات الإيجابية وتحليل نقاط القوة وتقنيات العلاج المعرفي السلوكي، وبين التراث الإسلامي ممثلاً في السيرة النبوية كمصدر إلهام حيّ ونابض. وكأنّ الكتاب يقول للطفل: الثقة بالنفس ليست فكرة غربية مستوردة، بل هي قيمة عاشها نبيّك محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل أربعة عشر قرناً.
الخلاصة:
كتاب (أنا واثق أنا طموح) ليس مجرد كتاب أطفال، بل هو ورشة عمل مطبوعة وبرنامج تربوي متكامل، صاغته الأستاذة مايدة البلوشية بعقل المدرّبة وقلب المربّية.
